عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

399

اللباب في علوم الكتاب

الخامس : أنّها مرفوعة المحلّ بالابتداء ، و « يضل » : خبره ، والجملة معلّقة لأفعل التّفضيل ؛ فهي في محلّ نصب بها ؛ كأنه قيل : أعلم أيّ النّاس يضل كقوله : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى [ الكهف : 12 ] ، وهذا رأي الكسائيّ ، والزّجّاج « 1 » ، والمبرّد ، ومكّي « 2 » ، إلا أن أبا حيّان « 3 » ردّ هذا ؛ بأن التّعليق فرع ثبوت العمل في المفعول به ، وأفعل لا يعمل فيه ، فلا يعلّق . والرّاجح من هذه الأقوال : نصبها بمضمر ، وهو قول الفارسيّ ، وقواعد البصريين موافقة له ، ولا يجوز أن تكون « من » في محلّ جرّ بإضافة أفعل إليها ؛ لئلّا يلزم محذور عظيم ، وذلك أنّ أفعل التّفضيل لا تضاف إلّا إلى جنسها ، فإذا قلت : « زيد أعلم الضّالّين » لزم أن يكون « زيد » بعض الضّالّين ، أي : متّصف بالضّلال ، فهذا الوجه مستحيل في الآية الكريمة ، وهذا عند من قرأ « 4 » « يضلّ » بفتح حرف المضارعة ، أمّا من قرأ بضمّه : « يضلّ » - وهو الحسن ، وأحمد بن أبي سريج - ، فقال أبو البقاء « 5 » : « يجوز أن تكون « من » في موضع جرّ بإضافة « أفعل » إليها » . قال : « إمّا على معنى : هو أعلم المضلّين ، أي : من يجد الضّلال وهو من أضللته ، أي : وجدته ضالا ؛ مثل أحمدته ، أي : وجدته محمودا ، أو بمعنى : أنه يضلّ عن الهدى » . قال شهاب الدّين « 6 » : ولا حاجة إلى ارتكاب مثل هذا في مثل الأماكن الحرجة ، وكان قد عبّر قبل ذلك بعبارات استعظمت النّطق بها ، فضربت عنها إلى أمثلة من قولي ، والّذي تحمل عليه هذه القراءة ، ما تقدّم من المختار ؛ وهو النّصب بمضمر ، وفاعل « يضلّ » على هذه القراءة : ضمير يعود على اللّه - تعالى - على معنى : يجده ضالا ، أو يخلق فيه الضّلال « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ » ويجوز أن يكون ضمير « من » أي : أعلم من يضلّ النّاس ، والمفعول محذوف . وأمّا على القراءة الشّهيرة ، فالفاعل ضمير « من » فقط ، و « من » : يجوز أن تكون موصولة ، وهو الظّاهر ، وأن تكون نكرة موصوفة ، ذكره أبو البقاء « 7 » . فإن قيل هو « أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » يوجب وقوع التّفاوت في علم اللّه ، وهو محال ؟ فالجواب : أن حصول التّفاوت في علم اللّه محال ، إلّا أن المقصود من هذا اللّفظ : العناية بإظهار هداية المهتدين فوق الهداية بإظهار ضلال الضّالّين ، ونظيره قوله - تعالى - :

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 314 . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 285 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 213 . ( 4 ) ينظر : إتحاف فضلاء البشر 2 / 29 ، الدر المصون 3 / 167 . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 259 . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 3 / 167 . ( 7 ) ينظر : الإملاء 1 / 259 .